الشيخ محمد الصادقي

240

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

الأربعة الآخرون من أولى العزم الذين دارت عليهم الرحى ، وقد تشهد لمثلث الفضل هذا : وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ . . وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ . . . ( 21 : 80 ) . فقد بلغ فضل اللّه لداود مبلغا من التجرد والشفافية في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الجبال والطير وحدة الحديد ، فداود الأواب تجاوبه في أوبته الجبال والطير ، ويلان له الحديد ، وهكذا اللّه يعبّد الطريق للأوابين ! هنا « معه » في « أَوِّبِي مَعَهُ » لمحة لامعة انها تؤوب في عالمها ولا تسمع أحدا من العالمين ، ثم « معه » تجعله يسمع أوبة الجبال والطير . والاوبة ضرب من الرجوع . وهنا المقصود صوت الأوبة وصيغتها ، إضافة إلى حقيقتها ، فواقع الأوبة لا محالة حاصل للكائنات كلها : « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » ( 17 : 44 ) ولكن داود المفضّل على من سواه فقّه تسبيحهم مع تسبيحه وعلى ضوئه كما تشير « معه » وكما في آخر له « وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ . . وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ » ( 38 : 19 ) فها هي معية المصاحبة المتابعة ، وقد تعم علمه بتسبيحهم واصالته فيه حيث كان يؤمّ في محراب الأوبة ومصرحها جماعة الطيور والجبال في ترنيمة المرجّع الرائع كما يؤم سائر المؤمنين في زمنه ! الآئب هو الراجع وقد ينكث ، ولكنما الأوّاب من التأويب الترجيع كثرة في عدّة الرجوع وعدّته ، حيث يعيش الاوبة الرجعة إلى اللّه دون نكثة ولا نكسة . ومن التأويب الترجيع ترجيع الصوت في التأويب وفيه تليين القلب وترجيعه ، فان للصوت الرائع الجميل موقعا فائقا في القارئ والمستمع ،